يتمنى صناع السياسات الاقتصادية تحقق ثلاث غايات كبرى في نفس الوقت: عملة محلية مستقرة، وسياسة نقدية مستقلة، واقتصاد مفتوح أمام حركة رؤوس الأموال.
يتحقق استقرار العملة عادة عبر تثبيت سعر الصرف، بما يجنّب العملة المحلية التقلبات الحادة أمام العملات الأجنبية. أما استقلال السياسة النقدية فيتيح للبنك المركزي التحكم في التضخم ومنع خروجه عن السيطرة. وأخيراً، تسمح حرية حركة رؤوس الأموال بدخول الأموال وخروجها بسهولة من الاقتصاد المحلي، الأمر الذي من المفترض أن يشجع الاستثمار ويعزز فرص النمو والتنمية.
هذه أهداف منطقية ومطلوبة، لكن المفاجأة أنه لا يمكن تحقيق الأهداف الثلاثة في آنٍ واحد، بل يتعيّن اختيار هدفين فقط والتضحية بالثالث. هذه المعضلة تُعرف في الأدبيات الاقتصادية باسم «الثالوث المستحيل» (Policy Trilemma).
تم تعديل وترجمة الصورة باستخدام أدوات الذكاء الصناعي
تحويل النيات الحسنة إلى سياسات عملية ليس أمرًا سهلًا. فمحاولة تحقيق مكاسب متعددة في الوقت نفسه غالبًا ما تؤدي إلى نتائج عكسية. ولنتخيل صناع القرار في دولة عربية ما يواجهون ضغطًا شعبيًا بسبب التضخم، وضغطًا سياسيًا بسبب تقلب العملة، وضغطًا اقتصاديًا لجذب الاستثمارات، وكل هذا يحدث في الوقت ذاته. فماذا يكون الإختيار؟
قرار تثبيت سعر الصرف مع فتح الاقتصاد أمام رؤوس الأموال، يٌفقد استقلال السياسة النقدية، لأن أسعار الفائدة تصبح مرتبطة بالأسواق الخارجية، ولا يتم تحديدها محلياً من خلال البنك المركزي.
و اختيار استقلال السياسة النقدية مع حرية حركة رؤوس الأموال، يعني عملياً التخلي عن استقرار سعر الصرف ليكون خاضعاً لقوانين العرض والطلب والتقلبات اليومية.
أما قرار التحكم في التضخم مع تثبيت سعر الصرف، فيعني فرض قيود على حركة رؤوس الأموال، وهو الأمر الذي يؤثر سلباً في الأغلب على فرص جذب الاستثمارت الأجنبية.
فمالعمل؟
قليلة هي السياسات العامة التي يمكن وصفها بأنه «مفيد دائمًا» أو «ضاره دائمًا». والوصول إلى سياسة عامة ملائمة يعني غالباً ضرورة الجمع بين مسارين متكاملين.
المسار الأول، فهم الأدوات والمفاهيم والنظريات الاقتصادية: كيف تعمل، ما افتراضاتها الأساسية ، متى تكون فعّالة، ومتى تفشل، وما القيم التي تحكمها. لكن هذا الفهم النظري وحده لا يكفي. ومن هنا تأتي أهمية المسار الثاني الذي يتمثل في فهم السياقات المحلية وتحدياتها الواقعية، ليس بناءً على انطباعات أو أهواء شخصية، بل استنادًا إلى وقائع وبيانات، أو إلى تصورات وسرديات شائعة بين المستفيدين والمتضررين من السياسات القائمة.
عند الجمع بين فهم السياق المحلي وتعقيداته، وفهم خصائص الأدوات المتاحة وحدودها، يصبح من الممكن تقدير ما الذي ينبغي أن تكون له الأولوية، وما الذي يمكن تأجيله أو التخلي عنه مؤقتًا.
المشكلة في كثير من الدول العربية ليست في اختيار نموذج، فكل نموذج كما ذكرنا له مزاياه وعيوبه. المشكلة في محاولة تحقيق الأهداف الثلاثة معًا في الوقت ذاته. ويرتبط ذلك في تصوري بتصورات حالمة تفترض إمكانية تجاوز قوانين الاقتصاد السياسي دون دفع ثمن.
كل نموذج من نماذج «الثالوث المستحيل» له خصائصه، وتكمن البراعة الحقيقية في فهم هذه النماذج بعمق، واختيار الأنسب منها وفقًا للسياق المحلي القائم.
والواقع العربي المتقلب في السنوات الأخيرة غير من طبيعة الأسئلة. فالسؤال في بعض الأحيان لا يكون: ما الخيار الأفضل؟ لأن التعقيد والتشابك قد يجعلان السعي إلى «الأفضل» غير واقعي. عندها يبرز سؤال أكثر واقعية: ما الثمن الذي نحن مستعدون لدفعه؟ وأي هدف سنؤجل تحقيقه إلى المستقبل؟
أو بعبارة أخرى: القدرة على التفكير الواقعي في السياسات العامة، بعيدًا عن أوهام الحلول السريعة.
نقترح الإطلاع على المقال التالي: الرابط


