يغيب المراقب عن لجنة امتحانات الثَّانويَّة العامَّة فتغيب السُّلطة عن المجتمع. تدور القراءة الشَّائعة لفيلم “ برشامة “ حول تراجع المنظومة الأخلاقيَّة وسيادة “ الغشِّ “ كوسيلة غير مشروعة للتَّرقِّي الاجتماعيِّ والمهنيِّ. لكن هل وجد الجمهور في هذا الفيلم أمورًا أخرى أكبر من فاصل من الضِّحكات والأوقات؟ فبينما كنت أجلس في قاعة السِّينما مليئةً بجمهور عربيّ، المصريِّين فيه أقلِّيَّة وجدتني أتلقَّى الفيلم بطريقة مختلفة، وأتسائل متشكِّكًا، هل فعلاً يطرح الفيلم السُّؤال الفلسفيُّ الشَّهير: ماذا يحدث للمجتمع عندما تغيَّب السُّلطة؟
يمثِّل “ الفصل الدِّراسيُّ “ في هذا العمل الفنِّيِّ الدَّولة، بينما يمثِّل “ المراقب “ السُّلطة الضَّعيفة المريضة الَّتي ترغب في الضَّبط لكنَّها تعجز عنه. أمَّا الطُّلَّاب، فهم شرائح مجتمعيَّة متباينة؛ تبدأ من “ اللِّصِّ “ معدوم المبادئ، وصولاً إلى “ المثاليِّ “ المحاصر بسياق يرفض الأخلاق والسُّلطة معًا. وعندما تغيَّب السُّلطة، لا يسعى أحد لاستعادتها، بل يسود شعور جماعيّ بالبهجة تجاه هذا الغياب. وفي إطار هذه البنية، يطرح الفيلم تصوُّره بشكل تفصيليّ عن حال المجتمع في غياب السُّلطة!
البرشامة ليست هي الحل!
لا أحد يبكي على غياب السلطة/المراقب. فهل عندما يغيب المراقب تتحسن الأمور؟
ينحاز الفيلم إلى رؤيةٍ مفادها أنَّ غياب السُّلطة يمنح الممارساتِ والقيمَ غير الأخلاقيَّة المتواريةَ فرصةً للنُّموِّ والازدهار. فأغلب المشاركين لديهم رغبةٌ مسبقة في “الغشِّ”، بل واستعدُّوا له قبل بدء الامتحان في انتظار اللَّحظة المواتية؛ وحين حضرت الفرصة، تسيَّد “المجرم” الموقف داخل الفصل، واستحال هو الآمرَ النَّاهي. الفيلم إذاً يدافع عن السلطة، وحضورها، حتى لو كان ضعيفاً. لأن البديل في تقدير الفيلم هو سيادة المجرمين، و وسيلتهم هي الممارسات غير الأخلاقية “البرشامة” للوصول إلى مكانة غير مستحقة “النجاح في الثانوية العامة”.
ولا يكتفي الفيلم بالتَّحذير من غياب السُّلطة، بل يؤكِّد أنَّه في حال تواريها تسقط الأقنعة عن شخصيَّاتٍ كنَّا نحسبها خيِّرة؛ فالمظهر الوقور للأم كبيرة السن، ذات الشكل المحتشم قد يخفي مضموناً تغيب عنه الأخلاق. بل تصبح هذه المرأة طيبة المظهر هي ذاتها أحد الداعمين للسلطة الإجرامية الجديدة، ثم تتطور ممارساتُها غير الأخلاقية في الإنحدار لتساهم في تحريض السلطة الغاشمة على مزيد من الممارسات غير الأخلاقية، ثم لتصبح هي نفسها شريكة مع هذه السلطة في تلك الممارسات!
المفارقة، أن الممارسات غير الأخلاقية متجذرة في التصرفات اليومية في حضور أو غياب السلطة. ف”برشامة”، الذي هو عنوان الفيلم يشير إلى الحل السريع والفعال للهروب من استحقاقات الجهد والعلم والقانون. الجميع يريد الوصول إلى النتائج بأقل مجهود وبمنطق “الفهلوة” والارتجال. أبطال الفيلم لديهم سبب وجيه للحصول على شهادة الثانوية العامة، لكنهم غير راغبين في بذل جهد حقيقي للحصول عليها من خلال الطريق المشروع: الدراسة والفهم ثم الإجابة على أسئلة الامتحان. يريد الجميع الوصول إلى النتيجة في وقت قصير وبمجهود قليل. المفارقة الثانية والأشد غرابة،هي أن الفهلوة والغش والخداع حاضرين حتى عند التحضير للغش والخداع! فتفشل التجارب والمحاولات، فتكون النتيجة الذهاب إلى مرحلة الارتجالـ، والتفكير السطحي، والعشوائية، وغيرها.
وبينما قد يقول قائل، أن البرشامة هي الحل لمشاكلنا وأوجاعنا، تظهر أحداث الفيلم استنتاجاً أخر. فحتى الغش والاحتيال يحتاج حد أدني من المهارات والقدرات اللازمة لتنفيذه بنجاح. تغيب هذه المهارات والقدرات لدى أبطال الفيلم. فلا اختيار جيد لكتب الغش، ولا توجد قدرة على القراءة أصلاً، كما تغيب مهارات التخطيط والإدارة. وعندما تحين لحظة الغش الجماعي، لحظة مشاركة الجميع في الخطيئة من اجل النجاح بلا مجهود، نكتشف أنه لايوجد حتى الحد الأدني من المعرفة لدى أي منهم ولا الحد الأدني اللازم لنجاح عملية الغش!
لما ذكرت ذلك، قال لي القائل: هذا فيلم كوميدي، وجوهره أن تفشل المحاولات واحدة تلو الأخرى، وان يضحك الجمهور على هذا الفشل، محاولة تلو أخرى. وقلت: ربما، لكن الضحك المتواصل قد يكون ورائه سبباً أخر بخلاف النكات!
المجتمع المحلي: غارق في الرجعية والتخلف
بعيداً عن السلطة، يقدم الفيلم صورة لمجتمعات محلية رجعية ومتخلفة. فالعمده لايتورع عن استخدام العنف، والمؤسسات الدينية، وخدمات الدولة في سبيل تحقيق مراده غير المشروع. أما الرجال فسماتهم الجهل واضطهاد النساء والتحكم بهم. وحتى الفئات المتعلمه تعليم أجنبي، فليس لديهم شعور بالمسؤلية، ويلوم بعضها بعضاً على الأخطاء، ثم يشاركوا في نهاية المطاف في التعاون مع المكونات الأكثر رجعية في المجتمع من أجل الحصول على الشهادة. صورة سوداوية عن المجتمع، لماذا تثير هذه الصورة الضحكات المتواصلة، وتحصد الشهرة والنجاح للفيلم؟
التنوع في الشخصيات والخلفيات الاجتماعية يزيد من فرصة أن يجد الشخص بعض النماذج التي يعرفها داخل الفيلم، وهذا سبب كافي للضحك عليهم وعلى أفعالهم. السبب الثاني ، أن الفيلم يقدم مشكلة بنيوية مستمرة ومتكررة في المجتمع، لجنة امتحان الثانوية العامة هي مجرد مثال عليها. مشكلة شائعة مرتبطة ب(غياب) معايير الكفاءة والجدارة وسيادة منطق الغش والخداع. ويوجد الكثير منها في التوظيف وفرص العمل، والزواج وغيرها. فلدى كل شخص رصيد من المواقف والإحالات لمواقف تشبه لجنة الثانوية العامة. وربما يكون من الأفضل أن نضحك على هذه المواقف بدلاً من أن نبكي بسببها.
لاينسي الفيلم تقديم السلطة في صورة أخرى، لكنها متشابه المضمون. يظهر الفيلم حضوراً شكلياً للسلطة عبر “سيارة الشرطة” الواقفة أمام اللجنة، لكنها سلطة عاجزة عن التدخل الفعال أو إدراك ما يدور في الداخل. إنها سلطة تمتلك “الزي اللائق والمعدات الحديثة” لكنها تفتقر للقدرة على الممارسة والضبط، وفي غياب هذه السلطة تكون العشوائية حاضرة. أنها أقرب إلى “استعراض قوة” من كونها “سلطة حقيقة” قادرة على الممارسة والضبط. أما ناظر المدرسة، فإنه حاضر وغير حاضر، يظهر ويختفي، دون أن يؤثر حضوره أو غيابه في تطور الأحداث. في ظل هذا الحال كيف يكون الخلاص؟
الطيب والشرير: المطاردة مستمرة!
يبرز بطل الفيلم (هشام ماجد) كنموذج للمثالية الأخلاقية التي يستهزئ بها الجميع. يلتزم بقواعد “سخيفه” في أعين الناس، لكنه صادق وجاد في الإلتزام بها. الدين حاضر لديه من المشهد الأول كمؤسس لهذه المرجعية الأخلاقية. يسخر الجميع منه لرفضه الغش، ولاعتقاداته المتمسك بها. يكره الجميع بسبب ذلك، لكنه هو الجاد الوحيد وسطهم. هو الذي ذاكر وتعلم، وهو الذي يستطيع أن يقدم لهم الإجابات الصحيحة. يزيد الضغط عليه ليشارك معهم في الغش، لكنه يظل طوال الفيلم يتحايل على عدم الغش ويرفضه. لكن بطل الفيلم ليس هو النموذج الوحيد، ،يقدم الفيلم نموذج أخر لشخص يرفض الغش والخداع هو مدرس اللغة العربية. أبدى المدرس مقاومة للغش في مشهد وحيد تكسرت لاحقاً مع شلال هادر من العنف المادي والمعنوي، واستباحة الكرامة المتواصل.
كل شخصيات الفيلم تقريباً لم يحدث لها تغير في تطورها أو تحول كبير إلا بطل الفيلم المثالي/ الأخلاقي! رفض الغش لوقت طويل، ثم قرر في النهاية أن يتخلي عن هذا الموقف عندما علم بالغاية النبيلة لدى الشخصية “غير النبيلة” في تقديره. هل هي الضرورات تبيح المحظورات، أم أنها الغاية التي تبرر الوسيلة؟
هذا هو الاقتراح الأول الذي قدمه الفيلم من أجل التعامل مع هذه المشكلة الاخلاقية: تحول البطل /المنقذ من الأخلاقية المثالية إلى الاخلاقية العملية. الفيلم قدم أيضاً حل ثانياً وهي علاقة صحية بين الفئات المجتمعية.
فالعاطفة النبيلة لدى ابناء القيادات المحلية يجب تصريفها في مسارها الطبيعي وفي علاقات سوية ومشروعة. لكن تظلُّ “العبرةُ الرَّئيسيَّةُ” هي الاقتراحُ الثَّالثُ والأهمُّ؛ فما دامَ الصِّراعُ بين الأخلاقيِّ والفاسدِ مُستمرَّاً ولن ينتهيَ، فإنَّ المسؤوليَّةَ تقعُ على عاتقِ الشَّخصِ الأخلاقيِّ في ألَّا يتوقَّفَ أبداً عن مطاردةِ “اللُّصوصِ”، حتَّى لو اضطرَّ لملاحقتِهم داخلِ “عربةِ الشُّرطةِ” ذاتِها!



نتيجة مشاهدة خبير في السياسات العامة الفيلم 😂
جميل جدا هذا التحليل ، وإن كان جالي شعور إن الفيلم عاوز يبرء السلطة "بمعنى الدولة" ، يعني بيقول إن الدولة موجودة متمثلة في الشرطة ذات الأداء المنطقي الوحيد لكن الأخطاء هي نتاج ممارسات الشعب وفساده هو
بدأ من الموظف والمدير والمراقب وشيخ البلد ثم بالممتحنين كأن الفساد هنا فساد في الناس أنفسهم إنما السلطة عندنا فلة شمعة منورة