تعتمد معظم أدبيات السياسات العامة على افتراض شائع، هو وجود دولة مستقرة تمتلك احتكاراً مشروعاً للقوة، ولديها حكومة قادرة -في أغلب الأوقات- على صياغة السياسات وتنفيذها؛ بل يذهب البعض إلى اعتبار السياسات العامة حقاً حصرياً للحكومة لا ينازعها فيه أحد!
لكن واقع منطقتنا يطرح علينا تحدياً رئيسياً: ماذا يحدث للسياسات العامة عندما يصبح النزاع هو السياق الدائم لا الاستثناء العابر؟
لا تختفي الحاجة إلى السياسات العامة في بيئات النزاع الممتد، بل ربما تتضاعف أهميتها. تضعف البنية التقليدية المؤسسية بالتأكيد، لكن تصبح التحديات العامة التي تتطلب حلولاً عاجلة أكثر تنوعاً وتشابكاً وإلحاحاً. فالوظائف الأساسية -مثل الصحة، والتعليم، والحماية الاجتماعية، وغيرها - لاتزال قائمة، إلا أن طبيعة التعامل معها مختلفة بشكل كبير.
فما العمل؟
في سياقات النزاع، تبرز أهمية فاعلين جدد مثل المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والمبادرات المحلية، والمنظمات الدولية؛ حيث يدخل هؤلاء جميعاً إلى مجال السياسات العامة الذي كان يُنظر إليه تقليدياً كملعب مخصص للمؤسسات الحكومية. فكيف ينبغي لهؤلاء الفاعلين التصرف؟
عندما تغيب المؤسسات الرسمية أو تضعف، هل ينبغي للمجتمعات الانتظار حتى تستعيد هذه المؤسسات عافيتها؟ أم أن الواجب يقتضي التحرك للاستجابة للتحديات الراهنة؟ الإجابة واضحة. و من الواضح أيضاً أنه إذا تغير سياق السياسات العامة وطبيعة الفاعلين ضمنه ، فإن ذلك يؤثر بعمق على عملية صنع السياسات العامة ومخرجات هذه العملية.
كانت هذه الأفكار ساكنه في ذهني حين أطلقنا في معهد سياسات برنامج “زمالة سياسات” العام الماضي، ثم بدأ المشاركون القادمون من دول النزاع بطرح هذه الأسئلة أيضاً. ثم جاءت حرب غزة لتُعمّق من إلحاح هذه التساؤلات ذات الطبيعة البحثية والعملية التنفيذية في الوقت ذاته. بحثنا وتواصلنا مع عدد من المؤسسات العربية فوجدنا حماساً للفكرة، لكننا لم نجد تنفيذاً سابقاً لها. وبعد تفكير لم يستمر طويلاً قررنا في “سياسات” إطلاق زمالة متخصصة في السياسات العامة في سياق النزاع، ولنري كيف تكون الاستجابه.
عندما صممنا زمالة “السياسات العامة في سياق النزاع”، كان سؤالنا الأول: هل نُدرب باحثين/ات يفهمون السياسات طبقاً لنموذج الدولة المثالي الموجود في الكتب؟ أم نُدرب فاعلين/ات قادرين على العمل داخل دولة هشّة، أو في ظروف صراعات بينية، أو تحت ضغوط إقليمية مستمرة؟
لقد انحازت أولويتنا للاختيار الثاني؛ فمنطقتنا لا تعيش مجرد “مرحلة انتقالية” عابرة تنتهي خلال شهور، بل تعيش سياق نزاع يُعاد إنتاجه دورياً لأن الأسباب الجذرية لهذه النزاعات لم تُعالج بعد بشكل عادل.
أعلنا عن فكرة الزمالة، فاكتشفنا إقبالاً كبيراً، حتى من باحثين في دول لا تشهد نزاعات حالياً. وعلمنا خلال مرحلة المقابلة لاختيار المشاركين ضمن مسار المنحة سبب تقديمهم. لقد تأثرت هذه الدول بتبعات النزاعات المجاورة، لا سيما في ملفات اللاجئين، وفي المجال الاقتصادي. وبذلك تأثرت سياسات الدول المجاروة للنزاع أيضاً بما يحدث حولها. والآن، وبعد أسبوع واحد فقط من انطلاق الزمالة، اندلع نزاع جديد في المنطقة لا أحد يعلم متى ينتهي. ونسأل الله السلامة للجميع.
قناعتي الآن أن موضوع “السياسات العامة في سياق النزاع” يجب أن يحتل مكانه أكبر في أجندة السياسات في العالم العربي. ففي منطقة تتسم بتكرار الأزمات، يصبح الاستثمار في بناء قدرة سياساتية محلية مستدامة أولوية استراتيجية تتجاوز مبادرة واحدة أو اثنين.
بدأنا بالفعل التنفيذ، ونسأل الله أن يوفقنا لإتمامها بالشكل الذي يطمح إليه المشاركون والمتابعون. ومع ذلك، فإن برنامج زمالة وحيد لا يكفي؛ فلاتزال هناك حاجة قائمة لبرامج تنفيذية موجهة للعاملين في القطاعات الحكومية، وكتابة حالات دراسية مستمدة من السياق العربي، وتوثيق الخبرات الإقليمية في هذا الموضوع ضمن إصدارات تخصصية.
وسيكون من الجيد تنفيذ هذه الأفكار والمسارات عبر شراكات مع مؤسسات محلية وإقليمية تشاركنا الرؤية ذاتها: الاستثمار في بناء القدرات المحلية للتعامل مع السياسات العامة أثناء النزاع هو أولوية تستحق مزيد من الاستثمار والدعم. فبرنامج زمالة واحد يضم 18 مشارك/ة من 6 دول عربية هو مجرد خطوة ضمن رؤية أوسع تحتاج مشاركة مع جهات متعددت لتحقيقها.


