وفرة البيانات لا تعني بالضرورة سياسات عامة أفضل، بل قد تؤدي أحيانًا إلى تعقيد المشكلة أكثر. والحل في عالم السياسات العامة هو التفريق بين غياب اليقين (Uncertainty) وبين الغموض (Ambiguity)، فهذا التفريق يساهم في التعامل مع السياسات العامة بشكل أفضل، وبطريقة أكثر فاعلية.
لنبدأ بالتفريق أولًا بين المفهومين، مع استخدام مثال لتوضيح الفارق.
يرتبط غياب اليقين بنقص المعلومات أو الحقائق العلمية حول قضية محددة. لنفترض مثلًا أننا نناقش السياسات المرتبطة بالتدخين، وتأثيرها السلبي على الصحة. السؤال الشائع في هذه الحالة: هل التدخين يسبب سرطان الرئة؟ والمشكلة هنا هي غياب اليقين حول هذا الموضوع. وفي حال إجراء مزيد من الأبحاث وتوفر مزيد من الأدلة حول قوة هذه العلاقة وطبيعتها، فإن وفرة الأدلة والبراهين تساهم في تعزيز اليقين والقناعات حول السياسة العامة الأفضل للتعامل مع هذا الموضوع. نلاحظ هنا أن جوهر المشكلة هو مشكلة تقنية متعلقة بالمعلومات والبيانات المتوفرة، وفي حال توفرهما فإن المشكلة تكون قد اختفت. وتصبح عملية صياغة السياسات العامة أسهل، ويلعب في هذه الحالة المتخصصون والفنيون الدور الأكبر في صياغتها.
قارن الوضع السابق بالوضع اللاحق. نتناقش حول سياسات التدخين أيضًا، لكن يتركز النقاش في هذه الحالة على زاوية مختلفة: هل الأفضل التعامل مع التدخين باعتباره قضية “صحة عامة” تهم الحالة الصحية لملايين المواطنين/ات، أم الأفضل النظر إليه كقضية “اقتصادية” مرتبطة بمواضيع مختلفة، مثل مصالح مؤسسات وشركات متعددة، وتحصيل ضرائب من هذه الشركات، وبأوضاع العاملين/ات داخل هذه المؤسسات؟ هنا زاوية التناول مختلفة، وهنا توجد حالة من الغموض (Ambiguity) حول الموضوع، وهذا الغموض مرتبط بوجود تفسيرات وأطر مختلفة يمكن وضع سياسات التدخين بداخلها.
لنلاحظ هنا أن التركيز على الإطار الاقتصادي لا يعني بالضرورة عدم الاهتمام بالصحة العامة للمواطنين/ات، فاختيار أولوية التأطير الاقتصادي قد يكون مرتبط بأن التدخين قرار شخصي، وفي حال كانت لدي المدخنين معرفة بالعلاقة القوية بين التدخين وأورام الرئة، ومع ذلك استمروا في التدخين، فهذا دليل على اختيار هؤلاء الأفراد لقرارات خاطئة، لكنها قراراتهم الشخصية في النهاية، ودور الحكومة في هذه الحالة لا يجب أن يتركز على محاولة منعهم من التدخين. لماذا؟
يقول المؤيدون لهذا الرأي أننا لو قبلنا بتدخل الحكومة في هذا الحالة، فيجب على الحكومة أن تتدخل أيضًا لمنع/تنظيم المشروبات الغازية التي ثبتت علاقتها بالكثير من المشكلات الصحية، وتتدخل من أجل ممارسة المواطنين لمزيد من الرياضة، وتتدخل لتحديد وقت محدد للبقاء على وسائل التواصل الاجتماعي، أو وقت محدد للعب ألعاب إلكترونية عنيفة، وهكذا. لذلك، فاقتراحهم البديل هو التركيز على الجانب الاقتصادي ورفع الضرائب على السجائر، ورفع أسعارها بدلًا من تنظيم شربها أو منعها في أماكن محددة. وتأطير المشكلة في شكل اقتصادي بدل من تأطيرها ضمن سياق الصحة العامة.
مزيد من البيانات والأدلة حول العلاقة بين التدخين وأورام الرئة لن يفيد في حالة سيادة الغموض حول طبيعة الموضوع: هل هو اقتصادي أم قضية صحة عامة؟ والحل البديل في هذه الحالة يمر من خلال الإقناع وإعادة التأطير. هنا يبدأ الحديث عن التدخين السلبي وآثاره السلبية على غير المدخنين، أو عن تحميل المدخنين التكلفة الطبية لخياراتهم المتعلقة بالتدخين، فلا تصبح ضمن التأمين الصحي، وهكذا. في هذه الحالة، تم تأطير القضية ضمن قضايا الصحة العامة، وباستخدام نفس إطار الخيارات الشخصية للأفراد. ويصبح الحديث عن تحديد سن للتدخين، أو منعه في أماكن محددة لها الأولوية، وتصبح البيانات والأدلة التي تؤيد ذلك ذات أهمية.
ما الدرس الأساسي من كل هذا؟
قبل أن نبدأ في الحديث عن الأدلة والبيانات، لنفكر أولًا: هل المشكلة غياب اليقين أم هيمنة الغموض؟
لو كان غياب اليقين في ظل وضوح تأطير القضية، فالبيانات والفنيون لهم الدور الأكبر.
أما إذا كان الغموض لا يزال هو المهيمن، فإن الطريق يبدأ بالإقناع وإعادة التأطير، وتأتي البيانات والأدلة في مراحل لاحقة.


