سياسات الطاقة هي محور نقاشات العالم خلال الأشهر الماضية، وفي عالم السياسات العامة توجد مجموعة من التصورات الأساسية والشائعة التي تشكل معظم النقاشات المتعلقة بسياسات الطاقة، منها:
معضلة الطاقة الثلاثية (The Energy Trilemma):
إن صياغة أي سياسة متعلقة بالطاقة تتطلب الموازنة بين ثلاثة أمور يصعب تحقيق التوازن الكامل بينها. أولها أمن الطاقة، بما يعنيه ذلك من تأمين الاحتياجات من الطاقة، سواء على المدى القصير أو المدى الطويل. وثانيها الإتاحة، بمعنى توافر الطاقة بالأساس ومايرتبط بذلك من قضايا العدالة والقدرة على تحمل تكلفة الحصول على الطاقة، سواء من قبل المواطنين أو الشركات؛ فليست جميع الأسعار مناسبة للجميع، وقد تكون الطاقة متوافرة، لكن أسعارها لا تجعلها متاحة للجميع. وأخيراً الاستدامة البيئية، فلكل مصدر من مصادر الطاقة تأثير مختلف على البيئة والمناخ. وقد تكون الطاقة مؤمَّنة ومتاحة، لكن ذلك يأتي على حساب البيئة ويؤدي إلى تبعات بيئية سلبية. وقد شرحت هذه المعضلة سابقاً في مقال على الجزيرة في بداية الحرب الروسية الأوكرانية، ويمكن الوصول إليه من خلال هذا الرابط.
التداخل بين السياسة والأحداث العالمية من جانب، والسياسات المحلية والسوق الداخلي من جانب آخر:
فلم تقتصر تبعات الحرب الروسية الأوكرانية على منطقة جغرافية واحدة، كما أن تأثيرات الحرب الحالية على مضيق هرمز تمتد إلى دول شرق آسيا واليابان.وتُحدد أسعار الطاقة المحلية والكهرباء إلى حد كبير بسلاسل إمداد الطاقة القادمة من خلف البحار، وتخلق السيارات الكهربائية والتكنولوجيا المتعلقة بالطاقة المتجددة فرصاً واعدة، لكنها في الوقت نفسه تجلب تنافساً وصراعاً بين أطراف جديدة. لذلك، وبينما ينصب اهتمام صانعي سياسات الطاقة على السوق المحلي وتلبية احتياجاته، تظل أعينهم مشغولة دائماً بما يحدث خارج الحدود. وهذا ينقلنا إلى النقطة الثالثة.
عملية التحول إلى الطاقة النظيفة والمتجددة ليست عملية تقنية سلسة ولا محتومة، بل إن شأنها شأن جميع عمليات السياسات العامة، فهي مليئة بالغموض وانعدام اليقين (وللتمييز بينهما يمكن الرجوع إلى هذا الرابط). كما أنها تتضمن دائماً قدراً كبيراً من المقايضات والتضحيات: هل نركز على المدى القصير أم على المدى البعيد؟ هل تكون الأولوية للإتاحة أم للاستدامة البيئية؟ وهي أيضاً عملية لا تسير في خط مستقيم، بل قد تشهد تراجعاً في بعض الأوقات، وتتسارع في أوقات أخرى. والدعم الحكومي والشعبي لها ليس دعماً غير مشروط؛ فقد تكتسب أنصاراً جدداً في بعض الأحيان، وتفقد عدداً أكبر منهم في أحيان أخرى. ويزداد الأمر تعقيداً عندما نعلم أن قطاعات الطاقة المتعددة تعتمد على بعضها البعض في كثير من الأحيان؛ او على قطاعات أخرى فتشغيل محطات الكهرباء قد يحتاج إلى توافر الغاز، وتكنولوجيا الطاقة المتجددة ترتبط بتجهيزات فنية وبيئة مناسبة. ويلعب المتخصصون والعلماء أدواراً مهمة في هذا التحول، لكن فاعلية أدوارهم ترتبط بفاعلين آخرين، وهذا ينقلنا إلى النقطة الرابعة.
قطاع الطاقة مثال جيد على أن عملية السياسات العامة عملية متعددة الفاعلين، ولا يمكن لفاعل واحد السيطرة عليها.
فهناك الحكومات بالتأكيد، لكن لدينا أيضاً شركات النفط والغاز، والقطاع الخاص المستثمر في تكنولوجيا الطاقة المتجددة والراغب في حجز مكان ضمن هذا السوق الواعد، ولدينا كذلك منظمات البيئة والتغير المناخي، والناشطون المهتمون بهذه القضايا، وأدوار هؤلاء النشطاء تشتد مع الوقت خاصة وأن الاهتمام بقضايا البيئة يتصاعد بين الأجيال الأصغر سناً. كما توجد قناعة واسعة بأن قطاع الطاقة يعاني من تشوهات سوقية (Market Failure)، مما يجعلنا بحاجة إلى قطاع خاص قوي، وإلى تدخلات وإجراءات حكومية عند حدوث هذه التشوهات. ويبقى المواطن في قلب هذه العملية؛ فالإتاحة وأمن الطاقة يأتيان على رأس أولوياته، وأي إجراءات تؤثر سلباً فيهما تجعله فاعلاً مؤثراً. فمن يتحكم في هذه المنظومة المتداخلة والمعقدة؟ لا يوجد طرف يملك تحكماً كاملاً، وإنما هي محاولات مستمرة للتأثير وفرض القرارات، تتنوع فيها الأدوات المستخدمة لتحقيق ذلك. وهذا يقودنا إلى النقطة الأخيرة.
عند تصميم السياسات العامة، توجد مجموعة متنوعة من الأدوات السياساتية، منها أدوات تشريعية، وأخرى مؤسسية، وحوافز اقتصادية، وأدوات معلوماتية. وقد عرضت جانباً منها في هذا المنشور. لكن أي هذه الأدوات نستخدم عند صياغة سياسات الطاقة؟ وأيها يحقق أفضل النتائج؟ وأيها يحظى بدعم أكبر عدد من الفاعلين؟ الجواب هو أن أياً من هذه الأدوات لا يستطيع بمفرده تحقيق ذلك، ولذلك نحتاج إلى مزيج من أدوات السياسات (Policy Mix) للوصول إلى سياسات أكثر فاعلية.
هذه مجرد عينة مكثفة من النقاشات الدائرة حول سياسات الطاقة، وهي نقاشات تحتاج إلى إسقاطها على السياقات المحلية، مع مراعاة المسارات التاريخية التي مرت بها كل دولة، وقدرات قطاعات الطاقة المختلفة فيها. وعندما نفعل ذلك، تصبح القيادات الوطنية المحلية الأقدر على الاضطلاع بهذه المهمة، لأنها تمتلك القدرة على المزج بين الفهم العميق للسياق المحلي واحتياجاته وتطلعاته، وبين الأدوات والمفاهيم التي تساعد على بناء رؤى وتصورات أكثر فاعلية وعدالة للتعامل مع تحدياتنا اليومية.


